صون التراث دون تجميده

لكي يظل التراث الثقافي غير المادي حياً، يجب أن يكون مرتبطاً بجماعته وأن يعاد إبداعه باستمرار وأن يُورث من جيل إلى جيل. فقد تصبح بعض عناصر التراث الثقافي غير المادي معرضة لخطر الفناء أو الاندثار إن لم توفَّر المساعدة اللازمة، ولكن صون التراث لا يعني تثبيته أو تجميده في شكله الأصلي الصرف. إن القصد من صون التراث الثقافي غير المادي هو نقل المعارف والمهارات والمعاني. وتركز الاتفاقية على مسألة التوريث - أو توصيل التراث من جيل إلى جيل - أكثر منها على مسألة إنتاج المظاهر الملموسة، مثل الرقصات أو الأغاني أو الآلات الموسيقية أو المصنوعات الحرفية. وبالتالي، فإن أي تدبير من تدابير الصون يعني إلى حد كبير إتاحة وتعزيز الظروف المتعددة والمتنوعة، المادية وغير المادية، اللازمة للاستمرار في تطوير التراث الثقافي غير المادي وتفسيره ولتوريثه للأجيال المقبلة.

إن الاختلاف عظيم بين تدابير الصون التي تتخذ لضمان توارث التراث الثقافي غير المادي جيلاً عن جيل والتدابير اللازمة لحماية التراث المادي (الطبيعي والثقافي). غير أن بعضاً من عناصر التراث المادي يُربط عادة بالتراث الثقافي غير المادي. ولذلك تدرج الاتفاقية في تعريفها للتراث الثقافي غير المادي الآلات والقطع والمصنوعات الحرفية والأماكن الثقافية التي ترتبط به.

الفضاء الثقافي للأجراس القرصية للمزيد من المعلومات بشأن العنصر
© Institute of Culture and Information / Duong Thanh Giang

وهل يعني ذلك أنه ينبغي دائماً صون التراث غير المادي أو إحياؤه مهما كان الثمن؟ إن هذا التراث مثله مثل أي كائن حي له دورة حياة، وبالتالي يرجَّح أن تندثر بعض عناصره بعد أن تولّد أشكالاً جديدة من أشكال التعبير. وقد تزول أهمية بعض أشكال التراث الثقافي غير المادي أو معناها في نظر الجماعة نفسها ولو كانت تحظى بقيمة اقتصادية. ووفقاً لما يرد في الاتفاقية، ينبغي أن يصان فقط التراث الثقافي غير المادي الذي تعتبره الجماعات جزءاً من تراثها والذي يوفر لها الإحساس بهويتها والشعور باستمراريتها. والمقصود في الاتفاقية بعبارة “تعتبره الجماعات” هو عملية رسمية، بل في معظم الأحيان غير رسمية، تقر بها الجماعات بأن ممارسات وتصورات وأشكال تعبير ومعارف ومهارات معيّنة، وإذا اقتضى الأمر ما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات حرفية وأماكن ثقافية، إنما تشكل جزءاً من تراثها الثقافي.

ويجب إن تتخذ وتنفّذ تدابير الصون دائماً بموافقة ومشاركة الجماعة نفسها . وفي بعض الحالات، قد يكون تدخل الجهات العامة لصون تراث جماعة ما أمراً غير مرغوب فيه، إذ يمكن أن ينال من قيمة هذا التراث في نظر الجماعة المعنية. وإضافة إلى ذلك، ينبغي أن تحترم دائماً تدابير الصون الممارسات العرفية التي تحكم الانتفاع بجوانب محددة من هذا التراث، مثال ذلك المظاهر المقدسة للتراث الثقافي غير المادي أو مظاهره التي تعتبر سرية.

Top