١٩٤٦-١٩٨٢: الخطوات الأولى

عكست أولى برامج اليونسكو في مجال الثقافة الوضع السياسي والاجتماعي للعالم غداة الحرب وفي فترة إنهاء الاستعمار. ونظراً إلى ولاية اليونسكو المتمثلة في الإسهام في إحلال السلم عن طريق التربية والعلم والثقافة، تركز الاهتمام على تعزيز التعاون الدولي في مجال الفنون وعلى دراسة الطريقة التي يمكن أن يتم بها الاعتراف
بالهويات الثقافية المختلفة الموجودة في أنحاء العالم. فتم تنفيذ العديد من الأنشطة المتعلقة بالمجالات الثقافية التقليدية مثل الأدب والمتاحف والموسيقى واللغات.

وفي عام ١٩٤٦أنشئ المجلس الدولي للمتاحف وتلاه في عام ١٩٤٩المجلس الدولي للموسيقى. وفي عام ١٩٤٩ صدر المجلد الأول من فهرس الترجمات، في حين نوقشت أولى مظاهر القلق بشأن الإنتاج الفني أثناء مؤتمر عقد بمدينة البندقية عام ١٩٥٢. وأسفر هذا الاجتماع عن اعتماد الاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف التي دخلت حيز النفاذ في عام ١٩٥٥ وعدلت فيما بعد في عام ١٩٧١. ونتيجة لتزايد الوعي بضرورة حماية التراث المبني في زمن الحرب، في أعقاب الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، اعتُمدت في لاهاي بهولندا في عام ١٩٥٤ اتفاقية حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح. وقد أدخلت هذه الاتفاقية عبارة «الممتلكات الثقافية» كفئة شاملة ومتجانسة من الأشياء التي تعتبر أهلاً للحماية نظراً إلى قيمتها الثقافية الفريدة. واستخدمت أيضاً هذه العبارة فيما بعد في الاتفاقية المتعلقة بالوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة (لعام ١٩٧٠) التي تُعتبر اتفاقية لاهاي وبروتوكولها الثاني لعام ١٩٩٩ مكملين لها.

وقد سبق لليونسكو أن نشرت منذ عام ١٩٥٣ المجلد الأول من سلسلة جديدة بعنوان «وحدة الثقافات وتنوعها»، وقد استَند إلى استقصاء عن المفهوم السائد للثقافات الخاصة بمختلف الشعوب والعلاقات المتبادلة بين تلك الثقافات. وكان الهدف من هذا المنشور عرض رؤية عن مختلف ثقافات العالم والعلاقات القائمة بينها. ثم أطلق في عام ١٩٥٧ مشروع بشأن «التقدير المتبادل بين الثقافتين الشرقية والغربية» استمر لمدة تسع سنوات. وفي عام ١٩٦٦ اعتمد المؤتمر العام إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي الشهير. ويحدد هذا الإعلان السمات الرئيسية لسياسات التعاون الدولي لليونسكو في مجال الثقافة، فينص على أن لكل ثقافة كرامتها وقيمتها التي يجب احترامها والمحافظة عليها، وأن من حق كل شعب ومن واجبه أن يعمل على تنمية ثقافته، وأن كل الثقافات تشكل جزءاً من التراث المشترك للبشرية جمعاء، وبذلك أرسى أسس إنماء السياسات المتعلقة بالتراث الثقافي في إطار اليونسكو. ولئن كان الأرجح أن الإعلان لم يستخدم مفهوم التراث بدلالته القانونية فقد أصبحت عبارة «تراث البشرية» عنصراً رئيسياً في السياسات التي تنتهجها المنظمة في مجال التراث الثقافي.

بدء أعمال ترميم تمثال رعمسيس الثاني
© UNESCO / Nenadovic

إن الحاجة إلى سياسات ترمي إلى تنمية مفهوم «تراث البشرية»، على الأقل فيما يتعلق بالتراث المادي، بدت ملحّة عقب حملة آثار النوبة في مصر التي استُهلت في عام ١٩٦٠، وكانت مثالاً باهراً لحملة ناجحة نبهت الرأي العام العالمي إلى ضرورة إجراء عملية لصون التراث. وبعد مرور عامين، تم رسمياً كشف معبد «أبو سمبل » بعد إعادة بنائه في موقعه الجديد على ارتفاع ٦٤ متراً من موقعه الأصلي. ومن بين أنشطة أخرى استهدفت حماية التراث الثقافي المعماري، حملة صون مدينة البندقية التي استُهلت عام ١٩٦٢، وقيام المؤتمر العام في ١٩ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٦٨ باعتماد توصية بشأن صون الممتلكات الثقافية التي تهددها الأشغال العامة أو الخاصة، ثم اعتماد الاتفاقية المتعلقة بالتدابير الواجب اتخاذها لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة في عام ١٩٧٠.

ومن المؤكد أن هذه الحملات والأنشطة ذات الأثر القانوني أفضت إلى زيادة الوعي بالدور الذي تؤديه الثقافة في مجال التنمية الاقتصادية. وفي ظل الأوضاع السياسية المحيطة بإنهاء الاستعمار وبالحرب الباردة، انعقد في البندقية بإيطاليا في الفترة من ٢٤ آب/أغسطس إلى ٢ أيلول/سبتمبر ١٩٧٠ مؤتمر دولي حكومي عن الجوانب المؤسسية والإدارية والمالية للثقافة. وقد شهد هذا المؤتمر نشوء مفهومي «التنمية الثقافية» و «البعد الثقافي للتنمية» كما حث النقاش حول كيفية دمج السياسات الثقافية في الاستراتيجيات الإنمائية. وأكّد المؤتمر أن تنوع الثقافات الوطنية وطابعها الفريد والفذّ يشكلان أساساً لا غنى عنه لتقدم البشرية وإنماء الثقافة على الصعيد العالمي. وأدرك المؤتمر أن ثقافات الشعوب الأصلية في الكثير من البلدان معرضة للزوال بسبب نقص الموارد، وقلة معاهد إعداد الأخصائيين، والموظفين المدرّبين، مما يؤدي إلى قصور الجهود المبذولة للحفاظ على التراث الثقافي لتلك الشعوب. وبالتالي، أرسيت أسس التعاون مع المنظمات غير الحكومية في مجال الثقافة إذ أشير إلى أن الدول الأعضاء عليها أن تشرك المنظمات غير الحكومية بأوثق ما يكون في إعداد وتنفيذ سياساتها الثقافية.

وإضافة إلى نشاط اليونسكو في مجالي حقوق المؤلف وحماية الممتلكات الثقافية المشار إليهما في اتفاقيات عام ١٩٥٢ و١٩٥٤ و١٩٧٠، أبدت المنظمة استعدادها لتعزيز السياسات المتعلقة بالتراث والصناعات الثقافية باعتبارها وسائل إيجابية لتحقيق التنمية في جميع الدول الأعضاء بغض النظر عن مستوى نموها.

وفي عام ١٩٧٢، اعتمدت اليونسكو خطة عشرية لدراسة التقاليد الشفهية الأفريقية وللنهوض باللغات الأفريقية، ونُظم في فيجي أول مهرجان لفنون المحيط الهادي، واستهلت سلسلتان من الدراسات الثقافية بشأن أمريكا اللاتينية. ولم يكن مفهوم التراث الثقافي محصوراً بعد بالمجال المادي فحسب. غير أنه استناداً إلى إعلان عام ١٩٦٦ ونجاح حملة آثار النوبة والمبادئ التي أرسيت في البندقية عام ١٩٧٠، كان أهم إنجاز لليونسكو في عام ١٩٧٢ هو اعتماد اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي. إن هذه الاتفاقية، وهي ربما اليوم الصك القانوني ذو الطابع العالمي الأبرز في مجال التراث الثقافي، عززت تحديد التراث الثقافي كتراث مادي إذ إنها تحصر نطاقه في الآثار ومجموعات المباني والمواقع باعتبارها جميعاً نماذج من التراث المادي. وتركز هذه الاتفاقية مثلها مثل اتفاقية لاهاي على الممتلكات الثقافية غير المنقولة -ذات القيمة العالمية الاستثنائية في هذه الحالة- ولكنها تدخل أيضاً مفهوم «تراث البشرية». وإذ أدرجت اتفاقية عام ١٩٧٢ من أجل تطبيقها نهجاً برنامجياً يقوم على نظام القوائم والاستناد إلى توجيهات تنفيذية قابلة للتعديل فإنها عززت سياسات حفظ التراث وأصبحت المرجع القياسي لإدراج سياسات حفظ التراث باعتبارها وسائل للتنمية وذلك عن طريق السياحة بوجه خاص.

ولما كانت الجوانب القانونية لحقوق الملكية الفكرية الجماعية لم تحدد بعد بوضوح، فقد تقرر ألا تدرج في نطاق اتفاقية ١٩٧٢ أشكال التعبير عن التراث الثقافي غير المادي. ولذلك اقترحت حكومة بوليفيا في عام ١٩٧٣ إضافة بروتوكول إلى الاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف المذكورة آنفاً والمعدلة في عام ١٩٧١ من أجل توفير إطار قانوني لحماية التراث الشعبي. ولم يحظ الاقتراح بالقبول ولكن في العام التالي شرع اجتماع خبراء حكوميين، نُظم في تونس بمساعدة اليونسكو والمنظمة العالمية للملكية الفكرية، في إعداد مشروع نموذج قانون متعلق بحماية حقوق الملكية الفكرية يطبق على تلك المظاهر الثقافية.

وفي هذه الأثناء ومتابعة لنتائج مؤتمر البندقية لعام ١٩٧٠، نظمت عدة حلقات عمل دراسية إقليمية. وفي أحد تلك الاجتماعات، وهو مؤتمر أكرا الدولي الحكومي بشأن السياسات الثقافية في أفريقيا (عام ١٩٧٧)، دعا الخبراء إلى توسيع تعريف الثقافة بحيث يتجاوز الفنون الجميلة والتراث ليشمل رؤى العالم وأنساق القيم والمعتقدات.
وبعد مرور عام على انعقاد هذا المؤتمر، صدر «إعلان بوغوتا» الذي اعتمده المؤتمر الدولي الحكومي بشأن السياسات الثقافية في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي الذي شدد على أن التنمية الثقافية من شأنها أن تحسن نوعية حياة الجماعات والأفراد. كما أشار إلى أن الأصالة الثقافية تقوم على الاعتراف بمكونات الهوية الثقافية أياً كانت
الأصول الجغرافية للشعوب وكيفما تداخلت، وأن كل شعب وكل مجموعة بشرية من حقها ومن واجبها أن تحدد وحدها هويتها الثقافية على أساس تاريخها الماضي وقيمها وتطلعاتها وإرادتها السيادية.

Top